أي وهم!

نرسم للأشخاص صورا نحبها ونتعلقها، ثم نكتشف بعد زمن أنها من نسج خيالنا! وحين نستعيد اللحظات والذكريات، تتبدل ألوان تلك الصور، وكأنها صور نزعت ألوانها. ونتساؤل إن كنا نحن من نسج تلك الألوان!

أي وهم أنت عشت به كنت في البال ولم تكن

هل نستطيع أن نلوم الآخرين؟ هل حقًا الناس يتغيّرون؟ أم نحن الذين رأيناهم بقلوب عطشة لصور ابتدعناها! لماذا نرى الأخرين دائما يتغيرون وكأننا قارون! هل حقًا هو التغيير أم الوعي الذي يجعلنا ندرك أي وهم كنّا نعيش؟ ولماذا يستيقظ ذلك الوعي في لحظة؟

ليس الأمر قصرًا على الأشخاص. حتى الأمكنة والأطعمة! يظلّ الناس دائمًا يتباكون على”زمن الطيبين” كما يحلو لهم أن يسموه. هل حقًا تغيّر المكان والطعام والشراب؟ أم أن إحساسنا بالمكان وحاستنا للتذوق تغيرا بحكم العمر والخبرات المتعاقبة!

ربما لا يكون وهمًا! ربما يكون وعيًا! ووعينا ليس قارًا، إنه ينمو كما تنمو الكائنات الحية بمقدار ما تغذيه الخبرة والتجربة. فما يبدو مدهشًا وجذابًا وساحرًا لا يعود كذلك بعد فترة من الزمن، لأن وعينا نما وتطوّر. ولأن الدهشة والجاذبية والسحر كلها أحكام نسبية، فكلّما زادت تجربتنا، تغيّرت معاييرنا التي يصقلها الزمن والتجربة، فتصبح أكثر صرامة.

كم مرة عاد أحدنا لزيارة مكان كان له ذكريات أو أثر في النفس لا ينسى، لكنه اكتشف بعد زمن من الذكريات أن المكان ما عاد هو المكان؟ وأن كل المشاعر والأحاسيس حملتها غيمة الماضي وتلاشت. كم مرة اشتقنا للقاء أحدهم، أو سماع صوته، فلما تحقّق لنا ذلك، اصطدم الواقع بجدار الذكريات. لا شيء يشبه الذكريات.

لكن ذلك الوعي، وإن نجح في تغيير الأشياء أو تغيير إدراكنا لها، لا يملك أن يمحو أثر صورة أو رائحة أو صوت، أو يبدد ما لها من ذكريات تنكأ جرحًا ظنناه قد برأ. وكأن جزءًا منّا يحب الألم ويسكن إليه. لأن هذا الألم هو علامة على الماضي، الذي يحب الإنسان أن يتعلّق -على درجات من التفاوت- به. وكأن ذلك يمنحه قيمة وتاريخًا، كما تمنح السنوات قيمة لقطعة أثرية.

كثيرًا ما يُقال لبعضنا أنت كما أنت لم تتغير. ورغم مجازية ذلك القول، لا أعرف إن كان يُقال على سبيل المدح أو الذم؟ أيسعدنا حقًا أن نكون من القارين؟ أم نريد أن نكون جزءًا من الحياة المتغيّرة؟ طبعًا قد يقصد القائل أنك ما زلت تحتفظ بصفاتك التي عرفها فيك، وربما أحبها. لكن من منا يريد أن يكون قارًا بمعايير الآخرين، أو ينتظر حكمًا من أشخاص هم قطعًا ليسوا من القاريين ولم يحجر عليهم الزمان أو يعطّل فيهم نواميس التغيير.

في نهاية المطاف ألسنا جميعنا وهمًا! نصنع أوهامنا عن الآخرين وعن أنفسنا! وكذلك يصنع الآخرون!

أي وهمٍ كنتَ وكنتُ يا صديقي!

بروباغاندا اللغة الثانية

أعتقد أن قضية تعلّم اللغة الثانية لاسيما الإنجليزية أصبحت جزءًا من البروباغاندا التي تُمارس في العالم العربي على نحو خاص، وتوجّه الآباء والمتعلّمين والباحثين عن عملٍ لتعلّم اللغة الثانية وإجادتها دون النظر في الحاجة إلى إجادة اللغة العربية في المقابل. وقد يؤخذ كلامي هذا على أنه انحياز للغة أنتمي إليها وأعمل في مجال تعليمها. والأمر لا يخلو من انحياز أبدًا للغة أو ضدها. وأن ينحاز المرء للغته شرف وواجب ديني ووطني وأخلاقي. غير أنني لست ضدّ أي لغة.

أنا لست ضدّ تعلّم لغة ثانية أو ثالثة، غير أن قسر المتعلّمين على التعلّم باللغة الثانية فيه ظلم وإجحاف. كما أن الفرق كبير بين أن يتعلّم المرء اللغة وأن يتعلّم بها. ليس من العدالة أن يُحرم أبناء المجتمع من فرص التعلّم أو العمل، أو أن تتوفر لهم الفرص لمجرّد إجادتهم للغة الثانية. وإذا كنا نقبل على مضض أن تقتحم الإنجليزية حياتنا وتفاصيلها بسبب العولمة التي شرّعت لها النوافذ عبر التكنولجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن التعليم بالإنجليزية هو بمثابة فتح الباب على مصراعيه لهذه اللغة في مقابل هدم الحصون المنيعة التي تحتمي بها لغتنا. إنه شرعنة لاحتلال ثقافي واستسلام فكري لمبررات ماديّة. بل هو ضيمٌ وقهر للمجتمع بمنعه من ممارسة حقّه في التعلّم والعمل بلغته التي نصّ عليها الدستور، ذلك العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم. 

وإذا ما أردنا أن نَبْسِطَ الأمر، وندرس الأسباب والنتائج، فإننا نرتطم بسؤال مُلِحٍّ: ما السبيل أمام الدولة لتطوير التعليم وسوق العمل بما يتناسب مع سقف العالمية في ظلّ تأخر المجتمعات العربية وتراجعها؟ فلا سبيل إلى العالمية إلا بلغة العالمية، وهي اليوم اللغة الإنجليزية بلا منافس. وليس جديدًا أن تتفاوت موازين القوى بين الدول، و”المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب” كما يقول ابن خلدون. لكننا لا نقف في التاريخ على تسليم بإحلال لغة أخرى محل اللغة الأم في التعليم والعمل طوعًا واختيارًا، ما لم تفرضه موازين القوى في صراع الحضارات واختلاف التركيب الديمغرافي في الدول. وحينئذ تخضع اللغات لنواميس كونية خارج سيطرة البشر. ولا يعني ذلك أن الأمر دائما هو خارج تحكّم البشر. فيكفي الإشارة إلى التجربة التركية والتجربة العبرية في إعادة التحكّم في سيرورة اللغات.

إن الدولة التي تتوسّل اللغة الثانية لتحقيق العالمية أمام خيارين: إما أن تُطوّع المجتمع لتلقّي المعرفة بتلك اللغة فتُخضع لسان المجتمع للغة الثانية، أو تطوّع اللغة الثانية، لغة التقدم والحضارة اليوم، لخدمة المجتمع. في الحالة الأولى، يتحوّل المجتمع تدريجيًا إلى مجتمع متحدث باللغة الثانية، لمسايرة التقدّم، ومن ثمّ تصبح اللغة الثانية -التي قد تُصبح لغة أولى عبر الزمن- هي لغة التعليم، ولغة البحث والنشر، ولغة التفكير والمجتمع. وهذا لا يخدم المجتمع، لأنه يجعله عالة على إنجازات الآخرين. إضافة إلى أن أي إنجازٍ في البحث العلمي أو الإبداع الأدبي باللغة الثانية يُشكّل رصيدًا يُضاف إلى تلك اللغة لا إلى لغة المجتمع الأصلية. ناهيك عن الآثار المُدمّرة في الثقافة والمجتمع على المدى البعيد. لاسيما إذا سلّمنا أن اللغة ليست مجرّد أداة تواصل، وإنما هي وعاء للثقافة والفكر ومرآة للمجتمع. واستنساخ ثقافة الغرب وتجربته ونقلها بلغة الأجنبي عملٌ لا يتطلّب جهدًا ولا عناءً ولا إبداعًا بقدر ما يستلزم ميزانيات ضخمة في تعليم اللغة الثانية، والاعتماد على الكفاءات الأجنبية.  وحين نُفكّر في المدى الزمني لهذه التجربة، نجد أفقًا ممتدًّا لا نهاية له مليئاً بالتساؤلات: هل سيبقى هذا الخيط الممتدّ بالآخر الأجنبي متصلًا أبدًا (أعني الحاجة إليه في التعليم والعمل)، أم أن هناك رؤية لتحويل المجتمع العربي إلى مجتمع متحدّث باللغة الثانية أو ثنائي اللغة، مع الأخذ بعين الاعتبار ما لذلك من تبعات. 

وأما الخيار الثاني أمام الدولة فهو أن تُخضع لغة التقدّم العلمي لحاجة المجتمع. وذلك يتطلّب جهدًا وعملًا دؤوبا. فبدل أن تحوّل الدولة لغة التعليم والعمل إلى اللغة الثانية، تؤسس مراكز ترجمة لنقل كل مستحدثات العلوم وجديد الصناعات والتكنولوجيا في المجتمعات الغربية إلى اللغة الأم. وتبتعث نُخَبًا من أبنائها المتميزين للتعلم في الجامعات الأجنبية، ليعودوا ناقلين للمعرفة بلغتهم العربية، وفق خطّة زمنية للتطوير وسدّ النقص في التخصصات المختلفة، والتحوّل من النقل والتقليد إلى الابتكار، ومن المتابعة إلى المشاركة والإنتاج.

إن الخيار الثاني هو الخيار الأصعب بلا شك، ويتطلّب إضافة إلى الإنفاق المادي إرادة سياسية وخططًا زمنية قريبة المدى وأخرى بعيدة المدى، ورؤية واضحة ومُنحازة لعروبة المجتمع وثقافته. وهذا الخيار يتطلّب العمل على مستويين: يتمثّل الأول في مدّ حبال الوصل مع الغرب دون الانغماس التام في لغته وثقافته من خلال نخب ثقافية وترجمات تعمل وسيطًا لنقل الثقافة والعلوم والتكنولوجيا، والارتقاء بالمجتمع لمواكبة جديد الغرب دون التفريط بلغة الدولة التي نصّ عليها الدستور. ويتمثّل المستوى الثاني في تطوير التعليم واللغة من خلال استحداث البرامج والمصطلحات ونقد الذات وإنتاج المعرفة.

الخيار الأول قد يصنع مجتمعًا لمّاعًا في صورته، لكنّه سيكون مشوهًا في انتمائه، مقلدًا في ثقافته، متكلًا في معرفته وعلومه. بينما يصنع الخيار الثاني مجتمعًا أصيلًا منتميًا تنافسيًا قادرًا على تحدّي الآخر دون الذوبان فيه يحترم ذاته ولغته.

فهل يحتاج التطوير أن ينسلخ المجتمع كله من رداء اللغة ويرتدي رداء لغة أخرى ليتعلّم بمقاييس عالمية؟ هل أصبحت جودة التعليم مرتبطة باللغة ذاتها، أم في طرائقها ومضامينها؟ ألا يمكن أن تُستورد تلك الطرائق والمضامين من أي لغة دون أن يدفع المجتمع لغته ثمنًا لها؟ أم أن حال المجتمعات العربية مع اللغة الثانية لا يعدو أن يكون انعكاسًا لأحوالها السياسية والفكرية؟ فهل تُفلح دولٌ لا تختار أنظمتها ولا تملك رأيًا فيمن يحكمها ويتحكم بمصالحها أن تختار لغة تعليم أبنائها وعملهم؟

لماذا نحتاج أن يقرأنا الآخرون؟

أتمنحنا الكتابة هوية؟ طالما تخيّلت أن وجودنا والعالم رهينان بخيالاتنا. وأن العالم يتلاشى في المكان الذي لا نوجد فيه؛ فحيث نوجد يوجد العالم، لأنه صنيعة خيالنا. ماذا لو كنّا جزءا من خيالات أحدهم؟ وحين نتلاشى من خياله نتلاشى من هذا العالم؟ هل يبدو الأمر مخيفًا؟

أليس مخيفًا أن تكون في هذا العالم ولا يشعر بك أحد؟ كيف يمكن لعقولنا الرخوة أن تختزل هذا العالم بكل تاريخه ومكوّناته وتناقضاته، ثم نصبح لا شيء؟ أترانا نختفي حين نقرّر الصمت؟ هل نحن غير الكلمات التي نصنعها فتصنعنا! أليس ذلك غاية العجب! أن نصنع كلمات، فتصنع لنا وجودًا في هذا العالم! أن يعرفك العالم من كلماتك! هل نحن غير الكلمات؟

لا شك أن اللغة وسيلة اتصال بهذا العالم. لكن هل أكتب ما أكتبُه الآن لأتصل بالعالم أم بنفسي. حين أقرأ للآخرين وتبدأ تتشكل الأفكار في رأسي، وكأنها تُنحت نحتًا أو تُرسم رسمًا، أتساءل هل كانت للتتشكّل تلك الأفكار في أذهان أصحابها قبل كتابتها. تراودنا أفكار، وتتلبسنا أحيانًا، لكنّها تبقى سديمًا، لا كيان له، غيوم تسبح في الفضاء، أو ذرات تتحد بأخرى لتكون شيئا جديدًا.

وحين نختار أن نتشارك ما نكتب مع الآخرين، نحاول أن نقول إننا هنا، إننا أحياء، لنا أفكار، وأوهام، وخيالات. نحن نحتاج أن يقرأنا الآخرون، ليس لأجل موافقتنا أو مخالفتنا، وإنما لرؤيتنا من خلال الكلمات. هل حقًا تمنحنا الكلمات وجودًا؟ هل كلماتنا تعبّر عن حقيقتنا؟ وهل ثمة حقيقة واحدة يمكن أن تعبّر عنها الكلمات؟ إننا نكتب لنكتشف ذواتنا التي نريد أن يراها الآخرون. ربما تتغير! ربما نرغب في تغييرها! لكننا نحتاج أن نتأكد أننا لسنا حلمًا أو وهمًا في رأس أحدهم.

سلطة اللغة

لقد مارس اللغويون دورهم في فرض نظام اللغة الذي ابتدعوه، والأدباء يبتدعون بدورهم صورًا وتراكيب تأبى القيود. ولا أظن أن هذا السجال سينتهي. فاللغة في ذاتها تجمع بين ثنائية النظام والإبداع؛ الأولى قيد والثانية كسر للقيد.

Photo by Arantxa Treva on Pexels.com

اللغة نظامية وإبداعية؛ النظام  شرط وقيد، والإبداع تحرّر دون شرط أو قيد. النظام يضع الحدود والإبداع يبحث دائما عن فضاء رحب لا حدود له. وهما متناقضان متلازمان ومتشاكسان عبر تاريخ اللغة.

فالإبداع من خصائص اللغة؛ حيث يبدع أبناء اللغة صورًا وتراكيب لم يسمعوها. هذا الإبداع جزء من مكوّنها وصيرورتها، فاللغة كائن حي -كما يرى بعضهم- متطوّر، والتطوّر من علاماته التغيير والاستحداث . ويبرع في هذا الدور الأدباء شعراء وكتّابًا، الذين يتبارون في خلق الصور والتراكيب في تحدّ دائم للمعتاد والمألوف؛ حيث تكمن جمالية الأدب في اللامألوف.

وأما النظام فهو مصدر سلطة اللغة، منه يستمدّ أهل اللغة سلطتهم منذ المُقَعّدين الأوائل إلى أساتذة اللغة والباحثين فيها في يومنا هذا ليرسموا صور الكلام، يجيزون بعضه ويمنعون بعضه. وقد عرّف ابن جني النحو بأنه “انتحاء سمت كلام العرب ليلحق بالعربية من ليس منها“، وذلك يستدعي أولاً رسم صورة هذا “السمت”، وبناءً عليه يُصنّف المتكلّمون بحسب قربهم أو بعدهم من هذا “السمت”. وبذلك صار النحو -ومازال – عقال اللغة وقيد المتكلمين.

ولعلّ الأمر يبدو بديهيًا ومقبولا في عمومه. ولكنّنا حين نغوص في التفاصيل نصطدم بأسئلة، نحو: من الذي حدّد هذا “السمت”؟ وبناء على ماذا حدّده؟ وما الذي يُلزم أبناء العربية ومن يرغب في تعلّمها بهذا “السمت”؟ وماذا يترتّب على الخروج عليه؟

وهذا يعيدنا إلى قصة وضع النحو، ومراحل تقعيده، وكيف آل الأمر بعد قرون من الزمن إلى أن وصل إلينا!

ولست بصدد استعراض الروايات وتمحيصها، لكنها جميعها تدور حول ناقوس الخطر الذي بدأ يُقرع مع تزايد اللحن وتفشّيه أو تسلّله إلى كتاب الله، فشرع المؤسسون الأوائل يضعون القواعد باستقراء كلام العرب. والروايات تدور بين أسماء مختلفة أبرزها علي بن أبي طالب -كرّم الله وجهه- وأبي الأسود الدؤلي، وبعضها يجعل عليًا مؤسسًا أو راعيًا ومرجعًا للمحاولة الأولى. ولا شك أن ذلك، بصرف النظر عن صحّته- يُكسب النحو غطاء سياسيًا وسلطة داعمة. وقد ظل النحاة واللغويون حاضرين في مجالس الخلفاء وبعضهم عمل مؤدّبا لأبناء الخلفاء كالكسائي.

وأعود إلى أسئلتي: بناء على ماذا رُسم “سمت” العربية؟ لقد وضع النحاة الأوائل حدودًا للمدوّنة التي سيعتمدون عليها في رسم “سمت” العربية. وهذه الحدود هي حدود الزمان والمكان؛ ما يقارب 150 قبل الهجرة، و150 بعد الهجرة. والمكان قلب الجزيرة، استبعادًا لاحتمالات التأثر باللغات الأخرى في الحدود المتاخمة للفرس والروم. وبعض الإشارات تحصر “المُعْتَمَد” من كلام العرب في بضع قبائل. وحصيلة هذه المدوّنة تشكّل صورة العربية التي يؤخذ بها سماعًا وقياسًا. أما كلام القبائل الأخرى أو عرب التخوم، ففي أحسن أحواله هو من لغات العرب، يُسمع ولا يُقاس عليه.

ولا مجال لاستعراض التفاصيل بشأن المدونة المعتبرة زمانًا ومكانًا، مع التنويه بأنها لم تسلم من الاستهجان والتلحين. لكنّ السؤال المُفْزِع الذي ربما بات في غنى عن الجواب: ما مصير كلام العرب من بعد سنة 150هـ إلى يومنا هذا؟

لقد حُكم على الكلام بمطلقه أن يخضع لـ”سمت” العربية الذي وُضع آنذاك، بانتقاء عينة من القبائل وفي مدّة زمنية محدودة. ولسنا متأكدين من استيعاب كل ما قالت تلك القبائل في ذلك الزمان. فاستقراء اللغة يبقى ناقصًا مهما كانت حدوده والجهد الذي بذل فيه.

وأبناء اللغة المستهدفون في وضع النحو بحسب ابن جنّي هم من ليسوا من أهلها. وهذا يعني أن النحو وضع لغير العرب، لكنّه بسلطة النحاة أصبح يحكم العربي وغير العربي. وقُدّر لكلّ من  يعيش بعد سنة 150هـ أن يصبح مشكوكًا في عربيّته، ولن تشفع له كل إنجازاته الأدبية وفصاحته وبيانه.

وإذا ما أمعنّا النظر في أحوال أبناء اللغة و”درجاتهم” في سلّم العربية، أمكننا تصنيفهم إلى:

  • أبناء اللغة الذين يكتسبون اللغة من بيئاتهم، لتكون العربية لغتهم الأم، وهؤلاء لا وجود لهم إلًا في خيالات بعض اللغويين.
  • أبناء العربية الذين يكتسبون لهجاتهم، ويتعلّمون العربية من خلال علاقتها بتلك اللهجات. وهؤلاء يختلفون في درجة تعرّضهم للعربية الفصيحة في سنواتهم الأولى تحدثًا واستماعًا؛ بحسب ثقافة الوالدين واستعمالهما للعربية، وحضور العربية في موروثهم الثقافي من القصص والأناشيد والثقافة الدينية. ولا يمكن اعتبار العربية الفصحى اللغة الأم لهم، لكنّها في منزلة أقرب من أن تكون لغة ثانية. فهي لغة أم من “الدرجة الثانية”!
  • غير العرب الذين يتعلّمون العربية لغة ثانية. وقد يدخل معهم أبناء العرب الذين ينشؤون منبتين عن العربية في بيئات أجنبية من المغتربين أو الذين لا يتعرّضون للعربية في طفولتهم الأولى استماعًا أو تحدثًا.

وحين ننظر في “نحو” العربية الذي أنجز في القرن الأول والثاني للهجرة لا يختلف عن النحو الذي ندرسه اليوم إلا تفصيلًا واختصارًا. وكأنّ العربية التي رُسم سمتها منذ وضع النحو لم تتغيّر. غير أن واقع الاستعمال لا يُقرّ بذلك. فكتابات المعاصرين عامرة بالخطأ واللحن حسب ميزان العربية الذي وضع في القرن الثاني للهجرة. ومازالت المدوّنة اللغوية من بعد عام 150 للهجرة مهملة لأنها حسب معايير الأوائل غير معتبرة، ولا يُقاس عليها. والنحو المنجز موجّه لكل من أراد تعلّم العربية بغض النظر عن درجة قربه أو بعده عن العربية الفصيحة. ويتساوى في ذلك العربي والأجنبي الراغب في تعلّم العربية. من الذي فرض هذا؟ ومن الذي يستفيد من فرض نظام لغوي يُغلّب صورة واحدة ويُقصى وجوه التعدّد التي بُنيت عليها اللغة؟،

لقد مارس النحاة واللغويون السلطة في وضع النحو وفرضه على المتكلّمين، رغم تسمّح المتقدّمين وإقرارهم بمحدوديّة عملهم. فالخليل بن أحمد الفراهيدي وصف محاولاته في التقعيد والتعليل بمن دخل دارًا فأعجبته، وراح يفسّر بناءها القائم، دون تزمّت أو إقصاء، قائلًا: “فإن سنح لغيري علّة لما علّلته من النحو هي ألْيَق ممّا ذكرته بالمعلول فليأت بها”. واعترض أبو عمرو بن العلاء على عيسى بن عمر وكلاهما نحوي لغوي، حين احتدّ الأخير في مناقشة أحد جلساء أبي عمرو، فقال أبو عمرو مخاطبًا عيسى بن عمر: “أو سُلّطت على تقويم الناس!”.

وفي المقابل، ثار الأدباء باستحداث صورهم ومعجمهم وتراكيبهم غير آبهين بقيود اللغة والنحو المتوارثة. وقد شاعت أخبار الخصام والخلاف بين الأدباء واللغوين. فالفررزدق يقول لعبد الله بن أبي إسحاق وقد غاضه كثرة تصحيحاته وأسئلته: “علينا أن نقول وعليكم أن تتأوّلوا”. ومادام اللغويون يلجؤون إلى التقدير والتأويل، فلماذا يضيّقون على المتكلّمين في كلامهم؟ والجواب أنهم يمارسون دورهم في حراسة اللغة وحمايتها. ولاشك أن ذلك كان ملتبسًا في الغالب ببعد ديني. فالعربية لسان القرآن، وبها نزل الدين الإسلامي.

لقد مارس اللغويون دورهم في فرض نظام اللغة الذي ابتدعوه، والأدباء يبتدعون بدورهم صورًا وتراكيب تأبى القيود. ولا أظن أن هذا السجال سينتهي. فاللغة في ذاتها تجمع بين ثنائية النظام والإبداع؛ الأولى قيد والثانية كسر للقيد. ولذلك فإن الإبداع ليس رهنًا بالمبدعين من الشعراء والأدباء. وكتب اللحن تتوالد منذ وضع النحو مستهدفةً جمهور المتكلمين من أبناء اللغة، رغم أنّ هذه الكتب بات يحاكم بعضُها بعضًا، فكل كتاب يصدر بعده كتابٌ يستدرك عليه ويصحح أخطاءه وربما يُخَطّئ بعضَ صوابه. وهذا يدل علي سعة دائرة الخطأ والصواب، واختلافهما باختلاف زوايا النظر وتوجيه القول، وكذلك الإحاطة بالمسموع من كلام العرب، وهذا الأخير لا سبيل إليه. إذا فكل خطأ سيبقى احتمالا. وكما قال القدماء: “ما تطرّق إليه الاحتمال بطُل به الاستدلال”.

ولست أقصد من قولي هذا رفع كل قيد عن اللغة، وقبول كل ألوان الكلام على علاته، وأنا النحوية المقيّدة بقيود اللغة والموروث النحوي، وقد كان ومازال أكثره مثار إعجابي. رغم أنني أعتقد أن هذا ليس قرارًا لأهل اللغة، وإنما هو قرار ابن اللغة. لكنني قصدت أن أكشف عن ضعف بات غير خفي في جدار اللغة الذي يزداد شرخه كل يوم. وأعتقد أن الأوان قد آن ليعيد اللغوي النظر في أدواته، وأن ينزل من عليائه ليقيم بناءه اللغوي على أرض الواقع. فابن اللغة، لن يُقبِل على اللغة بالسلاسل وفرض القيود، ولن تروّعه أحكام الخطأ واللحن. ولم يعد مقنعًا أن يقيّد بـ “سمت” لغة مضى عليها أكثر من 120 قرنًا من الزمان. والنحو الذي بقي معزولًا في كتب النحو، لن يُغري أحدًا بتعلّمه، رغم أن البدايات كانت تشي بعلاقة حميمة مع الأدب، حين كان الشعر موضع الاستشهاد، رغم كل ما قيل في الشواهد النحوية.

لابد من مدونات جديدة تستوعب لغة الحياة، في الصحافة والأدب والثقافة والفكر والعلوم. والنحو يجب أن يُردّ إلى مكانه -بالنسبة لعامة المتعلمين- أداة لا غاية في ذاته. وهذا يضع تعليم النحو أمام أسئلة ثلاث: ماذا نُعلّم؟ ولماذا نُعلّمه؟ وكيف نُعلّمه؟ والنحاة واللغويون باحثون لا “نهاية صلاحية” لعملهم، لأن عملهم يعتمد على اللغة، واللغة كائن حي متطوّر مادام هناك من ينطق بها. وهذا يعني أن ينطلق أهل اللغة من النصوص الحية، والاستعمال المعاصر، وأن يتجاوزوا دور الناقل إلى الباحث. ولا يعني ذلك بالطبع أن يُسدل الستار على الموروث الأدبي والثقافي. لكن تعلّم اللغة ونحوها يجب أن ينطلق من الاستعمال المعاصر، وأن لا تبقى اللغة العربية حبيسة دروس العربية، وأن تكون لسان العلم والثقافة والأدب و”الحياة”.

حياة في الظل

نقضي جل حياتنا في الظل؛ وهو ما تصنعه مخيلتنا. نلتقي أحدهم، نحبه أونبغضه لبضع كلمات نسمعها منه، أو نقرأها له، يصنع صداها في مخيلتنا عالما من الحب والكراهية، هو امتداد للكلمات، عالم في الظل. ونمضي في نسج هذا العالم مع الكلمات، ليكبر هذا العالم، غير الموجود إلا في خيالاتنا، حتى نستفيق على (كلمة) تنقض ذلك النسيج الرخو من الكلمات، إن صادفنا تلك الكلمة!

ياللعجب! الكلمات تصنع عوالمنا، والكلمات تهدمها. أتراه سحر الكلمات، أم ضعفنا الذي يجعلنا أسرى عوالم الظلال. أليس هذا ما يحدث في العالم الافتراضي! يكتب أحدهم كلمات عن الفضيلة، فيخيل لك أنه الفضيلة تمشي على الأرض! ويكتب آخر عن الإنسانية، فتخيل لك الإنسانية بشرا! وحين يستنطق أحدهم حيوانيته في عداء الآخرين تسوره ظلال الحيوان!

الإنسانية والحيوانية، كلمتان تلقيان علينا بظلالهما، وربما تطمس تلك الظلال حقيقتهما. فهل الإنسانية بظلالها التي نسجناها نحن البشر وقف على الإنسان! الإنسان جعل نفسه نموذجا لفكرة سامية لا مكان لها إلا في خياله وأطلق عليها (الإنسانية)! ونسب إلى الحيوان كل ما أراد الحكم عليه بالدونية! أليس الحيوان أحيانا يتفوق على الإنسان، حتى تكاد (حيوانيته) تسمو على (إنسانية) البشر!

لقد كان خلق الإنسان بداية الانفصال بين الخالق والمخلوق بدءا بعصيان إبليس السجود لبشر بدا له حقارته! ثم انتقالًا إلى عصيان آدم وحواء وخروجهما من الجنة! وقد كان خلق آدم مثارًا لسؤال الملائكة عن مستقبل هذا الكائن الترابي، سؤال يكتنفه الحيرة: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويهلك الحرث والنسل}.

أليس غريبا فعل تلك الظلال! إنها لا ترينا الأشياء إلا بلون الظلال! لون قاتم، لا حدود فاصلة له، يتكيّف مع المحيط، وقد يختفي الظل أحيانًا. فلما نبقى أسرى الظلال؟ ومن ينجح في الخروج عن الظل سيرى العالم ربما أكثر تجليا، أكثر سطوعًا، وأكثر بهاءً. لكن هل نستطيع حقًا التحرر من الظلال في عالم يبدو في ذاته ظلّا لعالم آخر كما افترض أفلاطون. من يرغب منا أو يستطيع أن يكون بلا ظل. الظلال تلاحقنا دائما! تذكرنا ببشريتنا، وضعفنا. وربما تحمينا من سطوع حقيقة قد لا نحتملها!

الإرهاب بين سندان الأنظمة ومطرقة المثقفين

shadow

ليس مستغربًا أن تلوّح الأنظمة بالإرهاب تحذيراً وتخويفاً بين فينة وأخرى. لاسيما حين يلوح في الأفق شعاع التغيير أو يتسلل صوت الحرية إلى فضاء الشعوب. وهل من عدوّ ألدّ من الحرية في وجه أنظمة فُرضت فرضاً واستمدّت شرعيتها من استبدادها؟ المستغرب حقا، وإن لم يعدْ كذلك اليوم، أن تصدح أبواق المثقفين والنخب برُهاب الإرهاب صدى للأنظمة، بل بعضها أصبح حارسًا للنظام متلبسًا رداءه، وبعضهم قد تجاوزه ليكون ملكيًّا أكثر من الملك.

كتب ودراسات وندوات ومحاضرات تحذر الشباب من خطر “التعاطف” مع الإرهاب، أو مساندته ولو بإعجاب “لايك” بصورة وردة أو مقطع فيديو  مضحك على صفحات التواصل الاجتماعي لأي شخص منتسب إلى جماعة مصنّفة في قائمة الإرهاب. بصرف النظر عن مرجعية هذا التصنيف أو صاحبه. هل أصبحت تلك وظيفة المثقف؟ التحذير من خطر الإرهاب (كما تراه الأنظمة)! أليس هذا صوت النظام صباح مساء؟ فهل بات المثقف صدى للأنظمة؟ ثم أي خطر للإرهاب؟ وهل الإرهاب يهدد الشعوب أم الأنظمة أم المثقفين؟ هل بات  المثقف حارسًا للنظام؟ أم هو صديق الشعوب الكادحة؟ وهل نحن مطالبون بالبحث عن هويّات الكتاب وانتماءاتهم لنقبل ما يكتبون أو ينقلون؟

ليس الإشكال في التحذير من الإرهاب. قد يكون ذلك واجباً أخلاقياً. لكن الإشكال أن تقتصر وظيفة المثقف على أن يردّد ما يُذاع بنشرات الأخبار لوسائل إعلام السلطة، وأن يكون صدى صوت لرجالات النظام. الإشكال الحقيقي في غياب دور المثقف في البحث عن الحقيقة، والغوص في عمق الظواهر بدل الطفو على سطح المراسيم والخطابات الرسمية.

مازالت الأنظمة ومثقفوها مشغولين بالتحذير من الإرهاب. ومازال الكلام عن مسبباته غائبا. أليست الأنظمة صانعة للإرهاب. أليس الإرهاب وليد القهر والظلم والفساد. فلماذا يتلاشى صوت رُهاب الإرهاب أمام إرهاب الأنظمة. وكأن الإرهاب –في عرف مثقفي السلطة- هو كل ما يُمارس ضد الأنظمة. أما إرهاب الأنظمة في حق شعوبها فمبرر ومسكوت عنه. ماذا عن تسليط الأنظمة الأمنية على رقاب الناس لقمع حرياتهم وسلبهم حقوقهم في العمل والتنقل والكلام. ماذا عن الاعتقالات التعسفية، واختطاف الناس وتغييبهم في سجون سرية دون إعلام أهليهم وخارج مظلة القانون. ماذا عن التعذيب؟ ماذا عن مصادرة أموال الناس وجنسياتهم؟ أليس هذا إرهابًا؟ أليس من واجب المثقف أن يُسقط الضوء على إرهاب الأنظمة؟

وفي عالم يُصنّف الناس فيه بحسب رضا الأنظمة، التي تملك وحدها أن تمنح الناس شهادة المثقف (النخبة)، لا غرابة أن يتصدّر المشهد الثقافي من يملكون المال لينشئوا الصالونات الأدبية، متأنقين بأعلى المستويات في تصميم الديكورات وتقديم الأطعمة والمشروبات، واستضافة الوجوه الحسنة، مستضيفين كتّاباً وأدباء قد يضيق دخل أحدهم عن ثمن الإناء الذي تُقدم فيه الحلوى، أو الوسادة التي يتكئ عليها. فلابأس من تذكير جماعة الأدباء “بقدرهم”، وإظهار شيء من التعالي عليهم وعلى كلماتهم التي يمكن أن تُباع وتُشترى وتقيّم بأموال نفطية!

وفي مشهد كهذا تقف سيدة “مثقفة”، وقد استحقت ذلك اللقب لمجرد أنها تستضيف المثقفين وتطعمهم وتسقيهم وقد تدفع لهم مقابل استضافتهم، لتواجه مثقفاً “يهذي” بالحرية والثورة لتعلّمه درساً عن “الاختلاف”. لأننا خلقنا مختلفين، فليس كلنا يحتاج إلى الحرية، ولسنا كلنا مضطرين لدفع ثمنها، فنحن خُلقنا من معدن نفيس، يعوم على آبار نفطية، ووُهبنا من الرحمن حكوماتٍ تخدمنا، ففيم نثور؟ وما حاجتنا لنداءات الحرية؟ حكوماتنا إن رضيت عنا رفعتنا عالياً لمطاولة السماء، وإن سخطت علينا حكمت علينا بالقهر والذل، أو العدم.

هؤلاء تجار الثقافة. وليتهم يكتفون بالتَّثَيْقُف أو بيع تجارتهم الفاسدة، لكنهم صاروا يبيعون ويشترون المثقفين؟ وليس أدعى للحزن من مثقف “حقيقي” أو نحسبه كذلك، يصافح أمثال هؤلاء الذين يشعلون مواقدهم من الافتئات على الآخرين، ولا يتوانون عن إثبات ولاءاتهم بنقض ولاءات المخالفين لهم أو المعارضين، والزجّ بهم في غياهب الظلم. “كيف لا تبصر الدم في يد من صافحوك؟” أيها المثقف؟

قد أتفهم جبن المثقفين، وخوفهم على “لقمة العيش”. لكنني لا أفهم تلوّنهم بحسب الأمكنة والسياقات. أليس يحسن بهم أن يخرسوا عن مساندة النظام ما داموا عاجزين عن انتقاده؟ أم أننا أمام صنف من المتثيقفين الذين لا يرون إلا بعيون النظام، ولا يسمعون إلا ما يلقي لهم، ولا ينطقون إلا بلسانه! ولا أفهم كيف يمكن أن يسوّغ أي مثقف “حقيقي” لنفسه أن ينضمّ إلى جوقة المثقفين “الحرباء” في احتفالية ثقافية يعلم تمامًا زيفها، وتورّط أصحابها بتأليه الأنظمة وقهر المعارضة وتهميش الشعوب.

هل يعني ذلك أنني أنكر وجود الإرهاب؟ طبعاً لا ، إنما أنكر حجمه الذي منحته إياه الأنظمة وأبواقها المثقفة! أنكر تسليط الضوء على خطر الإرهاب دون البحث عن مسبباته. أنكر الكيل بمكيالين، فالإرهاب مفهوم لا يتجزأ، أيا كان مصدره، الأنظمة، أم الأفراد، أم الجماعات المتطرفة؟ وهي متطرفة ليس لأنها جماعات خارجة على النظام، وإنما خرجت عن الاعتدال في معارضتها للنظام. والأنظمة كذلك تصبح متطرفة حين تغالي في حفظ الأمن، بالتضييق والتهديد. فكيف يمكن حفظ الأمن بتهديده؟

وأخشى ما أخشاه أن يتحول الإرهاب إلى فرانكشتاين ليقضي على صاحبه الذي صنعه، ولن آسف على ذلك، لكن حينها ربما لن يميّز الإرهاب بين صانعه، وأبواق النخبة، والمتفرجين الصامتين.

6/9/2015

الحزن والفرح

لا أعلم ما الذي يدفع بهما في حياتنا بمعزل عن الأحداث والأشخاص! لكنني أعلم أنهما قوتان تتدافعان، ولا تكادان تتصالحان حتى تميل الكفة لأحدهما. والذي يجعل كفة الحزن ترجح دائما في رأيي؛ أن الحزن يرتبط ارتباطا وثيقا بالذاكرة. إذ قلما تبعث الذكريات الفرح في نفوسنا، وإن حدث ذلك ففي حدود ضيقة، كذاكرة قصيرة المدى. فالفرح يمتد ساعات وقلما يصمد أياما إذا انقطع سببه. أما الحزن فقد يلازم صاحبه إلى آخر العمر، كصديق وفيّ لا يجود الزمان بمثله، وأي جود ذاك!

كثير من الأسئلة يتقافز في رأسي وأنا أكتب الآن؛ لماذا نعتاد الفرح وأسبابه سريعا حتى يفقد تأثيره، فلا يعود الفرح متصلا بتلك الأسباب! ولا نعتاد الحزن بالمثل، فتفقد أسباب الحزن فاعليتها! حقا، نحن نسلو ويبهت ألمنا بعد أمد، لكن الحزن ينبعث بمجرد الذكرى، كأنه وليد اللحظة، ولا ينبعث الفرح بالمثل. وإدمان الحزن يبدو أقوى وأعطم من إدمان الفرح! والأدهى حين يختلط الفرح بالحزن، فلا يكون الفرح صافيا! لأن لحظات الفرح العزيزة والنادرة تحمل معها غيمة حزن على فقدها! وكأنك في لحظة الفرح تفكر في ما بعدها وتخشى زوالها! أية قسوة تلك!

يبدو أن الأمر منوط بجينات نتوارثها فتورثنا استعدادا كامنا نحو الحزن أو الفرح. كل ما نملكه أن نحيط أنفسنا بأوهام السعادة وطرقها الوردية.

وغاية ما يملكه المرء أن يشغل نفسه طوال اليوم، ليعود في المساء منهكا لا يفكر بالحزن أو الفرح! لا يفكر في دواعيهما، ولا السبل المؤدية إليهما، لا يفكر إلا في النوم! حتى النوم لا يُسلمه دائما إلى فراغ ينشده؛ فتطارده أشباح الحزن في النوم! كم مرة يستيقظ المرء وهو يبكي، لأنه كان يبكي في الحلم! هل سمعتم عن شخص استيقظ من نومه يقهقه من أثر حلم؟ هل ثمة من يستقيظ من نومه فرحا؟ قلما يرى الإنسان حلما مفرحا. أحلامنا ترينا مخاوفنا! وفي أحسن أحوالها تكون محايدة، أو تتركنا في متاهات نحاول الخروج منها كغريق يحاول النجاة، فلا ينقذه إلا اليقظة!

وحياتنا تتشكل في تلك المسارات والمنعرجات بين الفرح والحزن وفيهما.

لعبة الكلمات

لماذا اخترع الإنسان الكتابة؟

آتراها الحاجة للتواصل؟ ألم يكن المنطوق كافيًا؟ أم هي الرغبة في الخلود! لعل الإنسان الأول حين أدرك أنه لن يخلّد، وأن ذكره إلى زوال، بحث عن طريقة تبقي أثره. ماذا غير الكلمات؟ فالذكر للإنسان عمر ثانٍ. أيًا كانت الكلمات؛ رموزًا أم صورًا.

لهذا نكتب! نكتب لنخلد لحظة تتشح بالحزن أو تتطاير فرحًا. نكتب لنبقى أثرًا في ظلال الكلمات. وحين تلتقي كلماتنا بكلمات الآخرين تُشكّل ظلالًا  تتماوج وتتراقص. وإن حاول أحدهم أن يبحث عن أصل تلك الظلال تاه وضل! فالظلال لا تفضي إلا إلى ظلال.

إنها لعبة الكلمات. حين يتورّط أحدنا فيها يصبح مقامرًا لا يعرف ما قد تؤول إليه تلك اللعبة، ولا يملك أن يتراجع عنها. ومهما كان حذرًا فطنًا لا يستطيع التنبؤ بالنهاية. إنها نهاية لا تصنعها كلماتنا ولا ظلالها، وإنما هي صورة تتشابك فيها الكلمات وظلالها لتخلق ظلالًا  أخرى ثم أخرى حتى تتماهى الظلال ولا نكاد نفرق بينها وبين الكلمات.

هذا ما أفعله الآن! ألعب لعبة الكلمات. أفعل ذلك ولا أدرى إلى ما ستفضي إليه. إنني لأول مرة ربما أترك الكلمات تقودني في العلن، وأسلمها قيادي دون مقاومة . قد لا يكون ذلك صحيحًا ١٠٠٪ ، فأنا مازلت أسيرة أفكارى. أدقّق وأمحو وأعيد الصياغة. لكنّني أحاول أن أتحرّر من أفكاري؟ أفكاري تقيّدني.  أهرب منها إلى الكلمات، أسلمها نفسي. أشعر وأنا أكتب الأن كمن يترك جسده يطفو على الماء ليسحبه بأي اتجاه شاء.

إنني أكتب هربًا من الأفكار، أبحث عن كلمات تهديني السبيل!  لكنّ ظلال الكلمات تطوّقني وتتلاعب بي. لم أعد أرغب في الاختفاء وراء الظلال. كيف أخلص من ضعفي وجبني؟! قد يستغرق الأمر وقتًا. إما أن أنجو من تلك الظلال أو أختفي وراءها للأبد!

يجب أن أتوقّف الآن! إنها البداية فحسبpexels-photo-320265.jpeg!