نرسم للأشخاص صورا نحبها ونتعلقها، ثم نكتشف بعد زمن أنها من نسج خيالنا! وحين نستعيد اللحظات والذكريات، تتبدل ألوان تلك الصور، وكأنها صور نزعت ألوانها. ونتساؤل إن كنا نحن من نسج تلك الألوان!
أي وهم أنت عشت به كنت في البال ولم تكن
هل نستطيع أن نلوم الآخرين؟ هل حقًا الناس يتغيّرون؟ أم نحن الذين رأيناهم بقلوب عطشة لصور ابتدعناها! لماذا نرى الأخرين دائما يتغيرون وكأننا قارون! هل حقًا هو التغيير أم الوعي الذي يجعلنا ندرك أي وهم كنّا نعيش؟ ولماذا يستيقظ ذلك الوعي في لحظة؟
ليس الأمر قصرًا على الأشخاص. حتى الأمكنة والأطعمة! يظلّ الناس دائمًا يتباكون على”زمن الطيبين” كما يحلو لهم أن يسموه. هل حقًا تغيّر المكان والطعام والشراب؟ أم أن إحساسنا بالمكان وحاستنا للتذوق تغيرا بحكم العمر والخبرات المتعاقبة!
ربما لا يكون وهمًا! ربما يكون وعيًا! ووعينا ليس قارًا، إنه ينمو كما تنمو الكائنات الحية بمقدار ما تغذيه الخبرة والتجربة. فما يبدو مدهشًا وجذابًا وساحرًا لا يعود كذلك بعد فترة من الزمن، لأن وعينا نما وتطوّر. ولأن الدهشة والجاذبية والسحر كلها أحكام نسبية، فكلّما زادت تجربتنا، تغيّرت معاييرنا التي يصقلها الزمن والتجربة، فتصبح أكثر صرامة.
كم مرة عاد أحدنا لزيارة مكان كان له ذكريات أو أثر في النفس لا ينسى، لكنه اكتشف بعد زمن من الذكريات أن المكان ما عاد هو المكان؟ وأن كل المشاعر والأحاسيس حملتها غيمة الماضي وتلاشت. كم مرة اشتقنا للقاء أحدهم، أو سماع صوته، فلما تحقّق لنا ذلك، اصطدم الواقع بجدار الذكريات. لا شيء يشبه الذكريات.
لكن ذلك الوعي، وإن نجح في تغيير الأشياء أو تغيير إدراكنا لها، لا يملك أن يمحو أثر صورة أو رائحة أو صوت، أو يبدد ما لها من ذكريات تنكأ جرحًا ظنناه قد برأ. وكأن جزءًا منّا يحب الألم ويسكن إليه. لأن هذا الألم هو علامة على الماضي، الذي يحب الإنسان أن يتعلّق -على درجات من التفاوت- به. وكأن ذلك يمنحه قيمة وتاريخًا، كما تمنح السنوات قيمة لقطعة أثرية.
كثيرًا ما يُقال لبعضنا أنت كما أنت لم تتغير. ورغم مجازية ذلك القول، لا أعرف إن كان يُقال على سبيل المدح أو الذم؟ أيسعدنا حقًا أن نكون من القارين؟ أم نريد أن نكون جزءًا من الحياة المتغيّرة؟ طبعًا قد يقصد القائل أنك ما زلت تحتفظ بصفاتك التي عرفها فيك، وربما أحبها. لكن من منا يريد أن يكون قارًا بمعايير الآخرين، أو ينتظر حكمًا من أشخاص هم قطعًا ليسوا من القاريين ولم يحجر عليهم الزمان أو يعطّل فيهم نواميس التغيير.
في نهاية المطاف ألسنا جميعنا وهمًا! نصنع أوهامنا عن الآخرين وعن أنفسنا! وكذلك يصنع الآخرون!
أي وهمٍ كنتَ وكنتُ يا صديقي!