أعتقد أن قضية تعلّم اللغة الثانية لاسيما الإنجليزية أصبحت جزءًا من البروباغاندا التي تُمارس في العالم العربي على نحو خاص، وتوجّه الآباء والمتعلّمين والباحثين عن عملٍ لتعلّم اللغة الثانية وإجادتها دون النظر في الحاجة إلى إجادة اللغة العربية في المقابل. وقد يؤخذ كلامي هذا على أنه انحياز للغة أنتمي إليها وأعمل في مجال تعليمها. والأمر لا يخلو من انحياز أبدًا للغة أو ضدها. وأن ينحاز المرء للغته شرف وواجب ديني ووطني وأخلاقي. غير أنني لست ضدّ أي لغة.
أنا لست ضدّ تعلّم لغة ثانية أو ثالثة، غير أن قسر المتعلّمين على التعلّم باللغة الثانية فيه ظلم وإجحاف. كما أن الفرق كبير بين أن يتعلّم المرء اللغة وأن يتعلّم بها. ليس من العدالة أن يُحرم أبناء المجتمع من فرص التعلّم أو العمل، أو أن تتوفر لهم الفرص لمجرّد إجادتهم للغة الثانية. وإذا كنا نقبل على مضض أن تقتحم الإنجليزية حياتنا وتفاصيلها بسبب العولمة التي شرّعت لها النوافذ عبر التكنولجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن التعليم بالإنجليزية هو بمثابة فتح الباب على مصراعيه لهذه اللغة في مقابل هدم الحصون المنيعة التي تحتمي بها لغتنا. إنه شرعنة لاحتلال ثقافي واستسلام فكري لمبررات ماديّة. بل هو ضيمٌ وقهر للمجتمع بمنعه من ممارسة حقّه في التعلّم والعمل بلغته التي نصّ عليها الدستور، ذلك العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.
وإذا ما أردنا أن نَبْسِطَ الأمر، وندرس الأسباب والنتائج، فإننا نرتطم بسؤال مُلِحٍّ: ما السبيل أمام الدولة لتطوير التعليم وسوق العمل بما يتناسب مع سقف العالمية في ظلّ تأخر المجتمعات العربية وتراجعها؟ فلا سبيل إلى العالمية إلا بلغة العالمية، وهي اليوم اللغة الإنجليزية بلا منافس. وليس جديدًا أن تتفاوت موازين القوى بين الدول، و”المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب” كما يقول ابن خلدون. لكننا لا نقف في التاريخ على تسليم بإحلال لغة أخرى محل اللغة الأم في التعليم والعمل طوعًا واختيارًا، ما لم تفرضه موازين القوى في صراع الحضارات واختلاف التركيب الديمغرافي في الدول. وحينئذ تخضع اللغات لنواميس كونية خارج سيطرة البشر. ولا يعني ذلك أن الأمر دائما هو خارج تحكّم البشر. فيكفي الإشارة إلى التجربة التركية والتجربة العبرية في إعادة التحكّم في سيرورة اللغات.
إن الدولة التي تتوسّل اللغة الثانية لتحقيق العالمية أمام خيارين: إما أن تُطوّع المجتمع لتلقّي المعرفة بتلك اللغة فتُخضع لسان المجتمع للغة الثانية، أو تطوّع اللغة الثانية، لغة التقدم والحضارة اليوم، لخدمة المجتمع. في الحالة الأولى، يتحوّل المجتمع تدريجيًا إلى مجتمع متحدث باللغة الثانية، لمسايرة التقدّم، ومن ثمّ تصبح اللغة الثانية -التي قد تُصبح لغة أولى عبر الزمن- هي لغة التعليم، ولغة البحث والنشر، ولغة التفكير والمجتمع. وهذا لا يخدم المجتمع، لأنه يجعله عالة على إنجازات الآخرين. إضافة إلى أن أي إنجازٍ في البحث العلمي أو الإبداع الأدبي باللغة الثانية يُشكّل رصيدًا يُضاف إلى تلك اللغة لا إلى لغة المجتمع الأصلية. ناهيك عن الآثار المُدمّرة في الثقافة والمجتمع على المدى البعيد. لاسيما إذا سلّمنا أن اللغة ليست مجرّد أداة تواصل، وإنما هي وعاء للثقافة والفكر ومرآة للمجتمع. واستنساخ ثقافة الغرب وتجربته ونقلها بلغة الأجنبي عملٌ لا يتطلّب جهدًا ولا عناءً ولا إبداعًا بقدر ما يستلزم ميزانيات ضخمة في تعليم اللغة الثانية، والاعتماد على الكفاءات الأجنبية. وحين نُفكّر في المدى الزمني لهذه التجربة، نجد أفقًا ممتدًّا لا نهاية له مليئاً بالتساؤلات: هل سيبقى هذا الخيط الممتدّ بالآخر الأجنبي متصلًا أبدًا (أعني الحاجة إليه في التعليم والعمل)، أم أن هناك رؤية لتحويل المجتمع العربي إلى مجتمع متحدّث باللغة الثانية أو ثنائي اللغة، مع الأخذ بعين الاعتبار ما لذلك من تبعات.
وأما الخيار الثاني أمام الدولة فهو أن تُخضع لغة التقدّم العلمي لحاجة المجتمع. وذلك يتطلّب جهدًا وعملًا دؤوبا. فبدل أن تحوّل الدولة لغة التعليم والعمل إلى اللغة الثانية، تؤسس مراكز ترجمة لنقل كل مستحدثات العلوم وجديد الصناعات والتكنولوجيا في المجتمعات الغربية إلى اللغة الأم. وتبتعث نُخَبًا من أبنائها المتميزين للتعلم في الجامعات الأجنبية، ليعودوا ناقلين للمعرفة بلغتهم العربية، وفق خطّة زمنية للتطوير وسدّ النقص في التخصصات المختلفة، والتحوّل من النقل والتقليد إلى الابتكار، ومن المتابعة إلى المشاركة والإنتاج.
إن الخيار الثاني هو الخيار الأصعب بلا شك، ويتطلّب إضافة إلى الإنفاق المادي إرادة سياسية وخططًا زمنية قريبة المدى وأخرى بعيدة المدى، ورؤية واضحة ومُنحازة لعروبة المجتمع وثقافته. وهذا الخيار يتطلّب العمل على مستويين: يتمثّل الأول في مدّ حبال الوصل مع الغرب دون الانغماس التام في لغته وثقافته من خلال نخب ثقافية وترجمات تعمل وسيطًا لنقل الثقافة والعلوم والتكنولوجيا، والارتقاء بالمجتمع لمواكبة جديد الغرب دون التفريط بلغة الدولة التي نصّ عليها الدستور. ويتمثّل المستوى الثاني في تطوير التعليم واللغة من خلال استحداث البرامج والمصطلحات ونقد الذات وإنتاج المعرفة.
الخيار الأول قد يصنع مجتمعًا لمّاعًا في صورته، لكنّه سيكون مشوهًا في انتمائه، مقلدًا في ثقافته، متكلًا في معرفته وعلومه. بينما يصنع الخيار الثاني مجتمعًا أصيلًا منتميًا تنافسيًا قادرًا على تحدّي الآخر دون الذوبان فيه يحترم ذاته ولغته.
فهل يحتاج التطوير أن ينسلخ المجتمع كله من رداء اللغة ويرتدي رداء لغة أخرى ليتعلّم بمقاييس عالمية؟ هل أصبحت جودة التعليم مرتبطة باللغة ذاتها، أم في طرائقها ومضامينها؟ ألا يمكن أن تُستورد تلك الطرائق والمضامين من أي لغة دون أن يدفع المجتمع لغته ثمنًا لها؟ أم أن حال المجتمعات العربية مع اللغة الثانية لا يعدو أن يكون انعكاسًا لأحوالها السياسية والفكرية؟ فهل تُفلح دولٌ لا تختار أنظمتها ولا تملك رأيًا فيمن يحكمها ويتحكم بمصالحها أن تختار لغة تعليم أبنائها وعملهم؟