سلطة اللغة

لقد مارس اللغويون دورهم في فرض نظام اللغة الذي ابتدعوه، والأدباء يبتدعون بدورهم صورًا وتراكيب تأبى القيود. ولا أظن أن هذا السجال سينتهي. فاللغة في ذاتها تجمع بين ثنائية النظام والإبداع؛ الأولى قيد والثانية كسر للقيد.

Photo by Arantxa Treva on Pexels.com

اللغة نظامية وإبداعية؛ النظام  شرط وقيد، والإبداع تحرّر دون شرط أو قيد. النظام يضع الحدود والإبداع يبحث دائما عن فضاء رحب لا حدود له. وهما متناقضان متلازمان ومتشاكسان عبر تاريخ اللغة.

فالإبداع من خصائص اللغة؛ حيث يبدع أبناء اللغة صورًا وتراكيب لم يسمعوها. هذا الإبداع جزء من مكوّنها وصيرورتها، فاللغة كائن حي -كما يرى بعضهم- متطوّر، والتطوّر من علاماته التغيير والاستحداث . ويبرع في هذا الدور الأدباء شعراء وكتّابًا، الذين يتبارون في خلق الصور والتراكيب في تحدّ دائم للمعتاد والمألوف؛ حيث تكمن جمالية الأدب في اللامألوف.

وأما النظام فهو مصدر سلطة اللغة، منه يستمدّ أهل اللغة سلطتهم منذ المُقَعّدين الأوائل إلى أساتذة اللغة والباحثين فيها في يومنا هذا ليرسموا صور الكلام، يجيزون بعضه ويمنعون بعضه. وقد عرّف ابن جني النحو بأنه “انتحاء سمت كلام العرب ليلحق بالعربية من ليس منها“، وذلك يستدعي أولاً رسم صورة هذا “السمت”، وبناءً عليه يُصنّف المتكلّمون بحسب قربهم أو بعدهم من هذا “السمت”. وبذلك صار النحو -ومازال – عقال اللغة وقيد المتكلمين.

ولعلّ الأمر يبدو بديهيًا ومقبولا في عمومه. ولكنّنا حين نغوص في التفاصيل نصطدم بأسئلة، نحو: من الذي حدّد هذا “السمت”؟ وبناء على ماذا حدّده؟ وما الذي يُلزم أبناء العربية ومن يرغب في تعلّمها بهذا “السمت”؟ وماذا يترتّب على الخروج عليه؟

وهذا يعيدنا إلى قصة وضع النحو، ومراحل تقعيده، وكيف آل الأمر بعد قرون من الزمن إلى أن وصل إلينا!

ولست بصدد استعراض الروايات وتمحيصها، لكنها جميعها تدور حول ناقوس الخطر الذي بدأ يُقرع مع تزايد اللحن وتفشّيه أو تسلّله إلى كتاب الله، فشرع المؤسسون الأوائل يضعون القواعد باستقراء كلام العرب. والروايات تدور بين أسماء مختلفة أبرزها علي بن أبي طالب -كرّم الله وجهه- وأبي الأسود الدؤلي، وبعضها يجعل عليًا مؤسسًا أو راعيًا ومرجعًا للمحاولة الأولى. ولا شك أن ذلك، بصرف النظر عن صحّته- يُكسب النحو غطاء سياسيًا وسلطة داعمة. وقد ظل النحاة واللغويون حاضرين في مجالس الخلفاء وبعضهم عمل مؤدّبا لأبناء الخلفاء كالكسائي.

وأعود إلى أسئلتي: بناء على ماذا رُسم “سمت” العربية؟ لقد وضع النحاة الأوائل حدودًا للمدوّنة التي سيعتمدون عليها في رسم “سمت” العربية. وهذه الحدود هي حدود الزمان والمكان؛ ما يقارب 150 قبل الهجرة، و150 بعد الهجرة. والمكان قلب الجزيرة، استبعادًا لاحتمالات التأثر باللغات الأخرى في الحدود المتاخمة للفرس والروم. وبعض الإشارات تحصر “المُعْتَمَد” من كلام العرب في بضع قبائل. وحصيلة هذه المدوّنة تشكّل صورة العربية التي يؤخذ بها سماعًا وقياسًا. أما كلام القبائل الأخرى أو عرب التخوم، ففي أحسن أحواله هو من لغات العرب، يُسمع ولا يُقاس عليه.

ولا مجال لاستعراض التفاصيل بشأن المدونة المعتبرة زمانًا ومكانًا، مع التنويه بأنها لم تسلم من الاستهجان والتلحين. لكنّ السؤال المُفْزِع الذي ربما بات في غنى عن الجواب: ما مصير كلام العرب من بعد سنة 150هـ إلى يومنا هذا؟

لقد حُكم على الكلام بمطلقه أن يخضع لـ”سمت” العربية الذي وُضع آنذاك، بانتقاء عينة من القبائل وفي مدّة زمنية محدودة. ولسنا متأكدين من استيعاب كل ما قالت تلك القبائل في ذلك الزمان. فاستقراء اللغة يبقى ناقصًا مهما كانت حدوده والجهد الذي بذل فيه.

وأبناء اللغة المستهدفون في وضع النحو بحسب ابن جنّي هم من ليسوا من أهلها. وهذا يعني أن النحو وضع لغير العرب، لكنّه بسلطة النحاة أصبح يحكم العربي وغير العربي. وقُدّر لكلّ من  يعيش بعد سنة 150هـ أن يصبح مشكوكًا في عربيّته، ولن تشفع له كل إنجازاته الأدبية وفصاحته وبيانه.

وإذا ما أمعنّا النظر في أحوال أبناء اللغة و”درجاتهم” في سلّم العربية، أمكننا تصنيفهم إلى:

  • أبناء اللغة الذين يكتسبون اللغة من بيئاتهم، لتكون العربية لغتهم الأم، وهؤلاء لا وجود لهم إلًا في خيالات بعض اللغويين.
  • أبناء العربية الذين يكتسبون لهجاتهم، ويتعلّمون العربية من خلال علاقتها بتلك اللهجات. وهؤلاء يختلفون في درجة تعرّضهم للعربية الفصيحة في سنواتهم الأولى تحدثًا واستماعًا؛ بحسب ثقافة الوالدين واستعمالهما للعربية، وحضور العربية في موروثهم الثقافي من القصص والأناشيد والثقافة الدينية. ولا يمكن اعتبار العربية الفصحى اللغة الأم لهم، لكنّها في منزلة أقرب من أن تكون لغة ثانية. فهي لغة أم من “الدرجة الثانية”!
  • غير العرب الذين يتعلّمون العربية لغة ثانية. وقد يدخل معهم أبناء العرب الذين ينشؤون منبتين عن العربية في بيئات أجنبية من المغتربين أو الذين لا يتعرّضون للعربية في طفولتهم الأولى استماعًا أو تحدثًا.

وحين ننظر في “نحو” العربية الذي أنجز في القرن الأول والثاني للهجرة لا يختلف عن النحو الذي ندرسه اليوم إلا تفصيلًا واختصارًا. وكأنّ العربية التي رُسم سمتها منذ وضع النحو لم تتغيّر. غير أن واقع الاستعمال لا يُقرّ بذلك. فكتابات المعاصرين عامرة بالخطأ واللحن حسب ميزان العربية الذي وضع في القرن الثاني للهجرة. ومازالت المدوّنة اللغوية من بعد عام 150 للهجرة مهملة لأنها حسب معايير الأوائل غير معتبرة، ولا يُقاس عليها. والنحو المنجز موجّه لكل من أراد تعلّم العربية بغض النظر عن درجة قربه أو بعده عن العربية الفصيحة. ويتساوى في ذلك العربي والأجنبي الراغب في تعلّم العربية. من الذي فرض هذا؟ ومن الذي يستفيد من فرض نظام لغوي يُغلّب صورة واحدة ويُقصى وجوه التعدّد التي بُنيت عليها اللغة؟،

لقد مارس النحاة واللغويون السلطة في وضع النحو وفرضه على المتكلّمين، رغم تسمّح المتقدّمين وإقرارهم بمحدوديّة عملهم. فالخليل بن أحمد الفراهيدي وصف محاولاته في التقعيد والتعليل بمن دخل دارًا فأعجبته، وراح يفسّر بناءها القائم، دون تزمّت أو إقصاء، قائلًا: “فإن سنح لغيري علّة لما علّلته من النحو هي ألْيَق ممّا ذكرته بالمعلول فليأت بها”. واعترض أبو عمرو بن العلاء على عيسى بن عمر وكلاهما نحوي لغوي، حين احتدّ الأخير في مناقشة أحد جلساء أبي عمرو، فقال أبو عمرو مخاطبًا عيسى بن عمر: “أو سُلّطت على تقويم الناس!”.

وفي المقابل، ثار الأدباء باستحداث صورهم ومعجمهم وتراكيبهم غير آبهين بقيود اللغة والنحو المتوارثة. وقد شاعت أخبار الخصام والخلاف بين الأدباء واللغوين. فالفررزدق يقول لعبد الله بن أبي إسحاق وقد غاضه كثرة تصحيحاته وأسئلته: “علينا أن نقول وعليكم أن تتأوّلوا”. ومادام اللغويون يلجؤون إلى التقدير والتأويل، فلماذا يضيّقون على المتكلّمين في كلامهم؟ والجواب أنهم يمارسون دورهم في حراسة اللغة وحمايتها. ولاشك أن ذلك كان ملتبسًا في الغالب ببعد ديني. فالعربية لسان القرآن، وبها نزل الدين الإسلامي.

لقد مارس اللغويون دورهم في فرض نظام اللغة الذي ابتدعوه، والأدباء يبتدعون بدورهم صورًا وتراكيب تأبى القيود. ولا أظن أن هذا السجال سينتهي. فاللغة في ذاتها تجمع بين ثنائية النظام والإبداع؛ الأولى قيد والثانية كسر للقيد. ولذلك فإن الإبداع ليس رهنًا بالمبدعين من الشعراء والأدباء. وكتب اللحن تتوالد منذ وضع النحو مستهدفةً جمهور المتكلمين من أبناء اللغة، رغم أنّ هذه الكتب بات يحاكم بعضُها بعضًا، فكل كتاب يصدر بعده كتابٌ يستدرك عليه ويصحح أخطاءه وربما يُخَطّئ بعضَ صوابه. وهذا يدل علي سعة دائرة الخطأ والصواب، واختلافهما باختلاف زوايا النظر وتوجيه القول، وكذلك الإحاطة بالمسموع من كلام العرب، وهذا الأخير لا سبيل إليه. إذا فكل خطأ سيبقى احتمالا. وكما قال القدماء: “ما تطرّق إليه الاحتمال بطُل به الاستدلال”.

ولست أقصد من قولي هذا رفع كل قيد عن اللغة، وقبول كل ألوان الكلام على علاته، وأنا النحوية المقيّدة بقيود اللغة والموروث النحوي، وقد كان ومازال أكثره مثار إعجابي. رغم أنني أعتقد أن هذا ليس قرارًا لأهل اللغة، وإنما هو قرار ابن اللغة. لكنني قصدت أن أكشف عن ضعف بات غير خفي في جدار اللغة الذي يزداد شرخه كل يوم. وأعتقد أن الأوان قد آن ليعيد اللغوي النظر في أدواته، وأن ينزل من عليائه ليقيم بناءه اللغوي على أرض الواقع. فابن اللغة، لن يُقبِل على اللغة بالسلاسل وفرض القيود، ولن تروّعه أحكام الخطأ واللحن. ولم يعد مقنعًا أن يقيّد بـ “سمت” لغة مضى عليها أكثر من 120 قرنًا من الزمان. والنحو الذي بقي معزولًا في كتب النحو، لن يُغري أحدًا بتعلّمه، رغم أن البدايات كانت تشي بعلاقة حميمة مع الأدب، حين كان الشعر موضع الاستشهاد، رغم كل ما قيل في الشواهد النحوية.

لابد من مدونات جديدة تستوعب لغة الحياة، في الصحافة والأدب والثقافة والفكر والعلوم. والنحو يجب أن يُردّ إلى مكانه -بالنسبة لعامة المتعلمين- أداة لا غاية في ذاته. وهذا يضع تعليم النحو أمام أسئلة ثلاث: ماذا نُعلّم؟ ولماذا نُعلّمه؟ وكيف نُعلّمه؟ والنحاة واللغويون باحثون لا “نهاية صلاحية” لعملهم، لأن عملهم يعتمد على اللغة، واللغة كائن حي متطوّر مادام هناك من ينطق بها. وهذا يعني أن ينطلق أهل اللغة من النصوص الحية، والاستعمال المعاصر، وأن يتجاوزوا دور الناقل إلى الباحث. ولا يعني ذلك بالطبع أن يُسدل الستار على الموروث الأدبي والثقافي. لكن تعلّم اللغة ونحوها يجب أن ينطلق من الاستعمال المعاصر، وأن لا تبقى اللغة العربية حبيسة دروس العربية، وأن تكون لسان العلم والثقافة والأدب و”الحياة”.

أفاتار غير معروف

الكاتب: هدى طه

بينما كنت أبحث عن ظلي تهت في ظلال الكلمات!

أضف تعليق