نقضي جل حياتنا في الظل؛ وهو ما تصنعه مخيلتنا. نلتقي أحدهم، نحبه أونبغضه لبضع كلمات نسمعها منه، أو نقرأها له، يصنع صداها في مخيلتنا عالما من الحب والكراهية، هو امتداد للكلمات، عالم في الظل. ونمضي في نسج هذا العالم مع الكلمات، ليكبر هذا العالم، غير الموجود إلا في خيالاتنا، حتى نستفيق على (كلمة) تنقض ذلك النسيج الرخو من الكلمات، إن صادفنا تلك الكلمة!
ياللعجب! الكلمات تصنع عوالمنا، والكلمات تهدمها. أتراه سحر الكلمات، أم ضعفنا الذي يجعلنا أسرى عوالم الظلال. أليس هذا ما يحدث في العالم الافتراضي! يكتب أحدهم كلمات عن الفضيلة، فيخيل لك أنه الفضيلة تمشي على الأرض! ويكتب آخر عن الإنسانية، فتخيل لك الإنسانية بشرا! وحين يستنطق أحدهم حيوانيته في عداء الآخرين تسوره ظلال الحيوان!
الإنسانية والحيوانية، كلمتان تلقيان علينا بظلالهما، وربما تطمس تلك الظلال حقيقتهما. فهل الإنسانية بظلالها التي نسجناها نحن البشر وقف على الإنسان! الإنسان جعل نفسه نموذجا لفكرة سامية لا مكان لها إلا في خياله وأطلق عليها (الإنسانية)! ونسب إلى الحيوان كل ما أراد الحكم عليه بالدونية! أليس الحيوان أحيانا يتفوق على الإنسان، حتى تكاد (حيوانيته) تسمو على (إنسانية) البشر!
لقد كان خلق الإنسان بداية الانفصال بين الخالق والمخلوق بدءا بعصيان إبليس السجود لبشر بدا له حقارته! ثم انتقالًا إلى عصيان آدم وحواء وخروجهما من الجنة! وقد كان خلق آدم مثارًا لسؤال الملائكة عن مستقبل هذا الكائن الترابي، سؤال يكتنفه الحيرة: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويهلك الحرث والنسل}.
أليس غريبا فعل تلك الظلال! إنها لا ترينا الأشياء إلا بلون الظلال! لون قاتم، لا حدود فاصلة له، يتكيّف مع المحيط، وقد يختفي الظل أحيانًا. فلما نبقى أسرى الظلال؟ ومن ينجح في الخروج عن الظل سيرى العالم ربما أكثر تجليا، أكثر سطوعًا، وأكثر بهاءً. لكن هل نستطيع حقًا التحرر من الظلال في عالم يبدو في ذاته ظلّا لعالم آخر كما افترض أفلاطون. من يرغب منا أو يستطيع أن يكون بلا ظل. الظلال تلاحقنا دائما! تذكرنا ببشريتنا، وضعفنا. وربما تحمينا من سطوع حقيقة قد لا نحتملها!
