الإرهاب بين سندان الأنظمة ومطرقة المثقفين

shadow

ليس مستغربًا أن تلوّح الأنظمة بالإرهاب تحذيراً وتخويفاً بين فينة وأخرى. لاسيما حين يلوح في الأفق شعاع التغيير أو يتسلل صوت الحرية إلى فضاء الشعوب. وهل من عدوّ ألدّ من الحرية في وجه أنظمة فُرضت فرضاً واستمدّت شرعيتها من استبدادها؟ المستغرب حقا، وإن لم يعدْ كذلك اليوم، أن تصدح أبواق المثقفين والنخب برُهاب الإرهاب صدى للأنظمة، بل بعضها أصبح حارسًا للنظام متلبسًا رداءه، وبعضهم قد تجاوزه ليكون ملكيًّا أكثر من الملك.

كتب ودراسات وندوات ومحاضرات تحذر الشباب من خطر “التعاطف” مع الإرهاب، أو مساندته ولو بإعجاب “لايك” بصورة وردة أو مقطع فيديو  مضحك على صفحات التواصل الاجتماعي لأي شخص منتسب إلى جماعة مصنّفة في قائمة الإرهاب. بصرف النظر عن مرجعية هذا التصنيف أو صاحبه. هل أصبحت تلك وظيفة المثقف؟ التحذير من خطر الإرهاب (كما تراه الأنظمة)! أليس هذا صوت النظام صباح مساء؟ فهل بات المثقف صدى للأنظمة؟ ثم أي خطر للإرهاب؟ وهل الإرهاب يهدد الشعوب أم الأنظمة أم المثقفين؟ هل بات  المثقف حارسًا للنظام؟ أم هو صديق الشعوب الكادحة؟ وهل نحن مطالبون بالبحث عن هويّات الكتاب وانتماءاتهم لنقبل ما يكتبون أو ينقلون؟

ليس الإشكال في التحذير من الإرهاب. قد يكون ذلك واجباً أخلاقياً. لكن الإشكال أن تقتصر وظيفة المثقف على أن يردّد ما يُذاع بنشرات الأخبار لوسائل إعلام السلطة، وأن يكون صدى صوت لرجالات النظام. الإشكال الحقيقي في غياب دور المثقف في البحث عن الحقيقة، والغوص في عمق الظواهر بدل الطفو على سطح المراسيم والخطابات الرسمية.

مازالت الأنظمة ومثقفوها مشغولين بالتحذير من الإرهاب. ومازال الكلام عن مسبباته غائبا. أليست الأنظمة صانعة للإرهاب. أليس الإرهاب وليد القهر والظلم والفساد. فلماذا يتلاشى صوت رُهاب الإرهاب أمام إرهاب الأنظمة. وكأن الإرهاب –في عرف مثقفي السلطة- هو كل ما يُمارس ضد الأنظمة. أما إرهاب الأنظمة في حق شعوبها فمبرر ومسكوت عنه. ماذا عن تسليط الأنظمة الأمنية على رقاب الناس لقمع حرياتهم وسلبهم حقوقهم في العمل والتنقل والكلام. ماذا عن الاعتقالات التعسفية، واختطاف الناس وتغييبهم في سجون سرية دون إعلام أهليهم وخارج مظلة القانون. ماذا عن التعذيب؟ ماذا عن مصادرة أموال الناس وجنسياتهم؟ أليس هذا إرهابًا؟ أليس من واجب المثقف أن يُسقط الضوء على إرهاب الأنظمة؟

وفي عالم يُصنّف الناس فيه بحسب رضا الأنظمة، التي تملك وحدها أن تمنح الناس شهادة المثقف (النخبة)، لا غرابة أن يتصدّر المشهد الثقافي من يملكون المال لينشئوا الصالونات الأدبية، متأنقين بأعلى المستويات في تصميم الديكورات وتقديم الأطعمة والمشروبات، واستضافة الوجوه الحسنة، مستضيفين كتّاباً وأدباء قد يضيق دخل أحدهم عن ثمن الإناء الذي تُقدم فيه الحلوى، أو الوسادة التي يتكئ عليها. فلابأس من تذكير جماعة الأدباء “بقدرهم”، وإظهار شيء من التعالي عليهم وعلى كلماتهم التي يمكن أن تُباع وتُشترى وتقيّم بأموال نفطية!

وفي مشهد كهذا تقف سيدة “مثقفة”، وقد استحقت ذلك اللقب لمجرد أنها تستضيف المثقفين وتطعمهم وتسقيهم وقد تدفع لهم مقابل استضافتهم، لتواجه مثقفاً “يهذي” بالحرية والثورة لتعلّمه درساً عن “الاختلاف”. لأننا خلقنا مختلفين، فليس كلنا يحتاج إلى الحرية، ولسنا كلنا مضطرين لدفع ثمنها، فنحن خُلقنا من معدن نفيس، يعوم على آبار نفطية، ووُهبنا من الرحمن حكوماتٍ تخدمنا، ففيم نثور؟ وما حاجتنا لنداءات الحرية؟ حكوماتنا إن رضيت عنا رفعتنا عالياً لمطاولة السماء، وإن سخطت علينا حكمت علينا بالقهر والذل، أو العدم.

هؤلاء تجار الثقافة. وليتهم يكتفون بالتَّثَيْقُف أو بيع تجارتهم الفاسدة، لكنهم صاروا يبيعون ويشترون المثقفين؟ وليس أدعى للحزن من مثقف “حقيقي” أو نحسبه كذلك، يصافح أمثال هؤلاء الذين يشعلون مواقدهم من الافتئات على الآخرين، ولا يتوانون عن إثبات ولاءاتهم بنقض ولاءات المخالفين لهم أو المعارضين، والزجّ بهم في غياهب الظلم. “كيف لا تبصر الدم في يد من صافحوك؟” أيها المثقف؟

قد أتفهم جبن المثقفين، وخوفهم على “لقمة العيش”. لكنني لا أفهم تلوّنهم بحسب الأمكنة والسياقات. أليس يحسن بهم أن يخرسوا عن مساندة النظام ما داموا عاجزين عن انتقاده؟ أم أننا أمام صنف من المتثيقفين الذين لا يرون إلا بعيون النظام، ولا يسمعون إلا ما يلقي لهم، ولا ينطقون إلا بلسانه! ولا أفهم كيف يمكن أن يسوّغ أي مثقف “حقيقي” لنفسه أن ينضمّ إلى جوقة المثقفين “الحرباء” في احتفالية ثقافية يعلم تمامًا زيفها، وتورّط أصحابها بتأليه الأنظمة وقهر المعارضة وتهميش الشعوب.

هل يعني ذلك أنني أنكر وجود الإرهاب؟ طبعاً لا ، إنما أنكر حجمه الذي منحته إياه الأنظمة وأبواقها المثقفة! أنكر تسليط الضوء على خطر الإرهاب دون البحث عن مسبباته. أنكر الكيل بمكيالين، فالإرهاب مفهوم لا يتجزأ، أيا كان مصدره، الأنظمة، أم الأفراد، أم الجماعات المتطرفة؟ وهي متطرفة ليس لأنها جماعات خارجة على النظام، وإنما خرجت عن الاعتدال في معارضتها للنظام. والأنظمة كذلك تصبح متطرفة حين تغالي في حفظ الأمن، بالتضييق والتهديد. فكيف يمكن حفظ الأمن بتهديده؟

وأخشى ما أخشاه أن يتحول الإرهاب إلى فرانكشتاين ليقضي على صاحبه الذي صنعه، ولن آسف على ذلك، لكن حينها ربما لن يميّز الإرهاب بين صانعه، وأبواق النخبة، والمتفرجين الصامتين.

6/9/2015

أفاتار غير معروف

الكاتب: هدى طه

بينما كنت أبحث عن ظلي تهت في ظلال الكلمات!

أضف تعليق