لا أعلم ما الذي يدفع بهما في حياتنا بمعزل عن الأحداث والأشخاص! لكنني أعلم أنهما قوتان تتدافعان، ولا تكادان تتصالحان حتى تميل الكفة لأحدهما. والذي يجعل كفة الحزن ترجح دائما في رأيي؛ أن الحزن يرتبط ارتباطا وثيقا بالذاكرة. إذ قلما تبعث الذكريات الفرح في نفوسنا، وإن حدث ذلك ففي حدود ضيقة، كذاكرة قصيرة المدى. فالفرح يمتد ساعات وقلما يصمد أياما إذا انقطع سببه. أما الحزن فقد يلازم صاحبه إلى آخر العمر، كصديق وفيّ لا يجود الزمان بمثله، وأي جود ذاك!
كثير من الأسئلة يتقافز في رأسي وأنا أكتب الآن؛ لماذا نعتاد الفرح وأسبابه سريعا حتى يفقد تأثيره، فلا يعود الفرح متصلا بتلك الأسباب! ولا نعتاد الحزن بالمثل، فتفقد أسباب الحزن فاعليتها! حقا، نحن نسلو ويبهت ألمنا بعد أمد، لكن الحزن ينبعث بمجرد الذكرى، كأنه وليد اللحظة، ولا ينبعث الفرح بالمثل. وإدمان الحزن يبدو أقوى وأعطم من إدمان الفرح! والأدهى حين يختلط الفرح بالحزن، فلا يكون الفرح صافيا! لأن لحظات الفرح العزيزة والنادرة تحمل معها غيمة حزن على فقدها! وكأنك في لحظة الفرح تفكر في ما بعدها وتخشى زوالها! أية قسوة تلك!
يبدو أن الأمر منوط بجينات نتوارثها فتورثنا استعدادا كامنا نحو الحزن أو الفرح. كل ما نملكه أن نحيط أنفسنا بأوهام السعادة وطرقها الوردية.
وغاية ما يملكه المرء أن يشغل نفسه طوال اليوم، ليعود في المساء منهكا لا يفكر بالحزن أو الفرح! لا يفكر في دواعيهما، ولا السبل المؤدية إليهما، لا يفكر إلا في النوم! حتى النوم لا يُسلمه دائما إلى فراغ ينشده؛ فتطارده أشباح الحزن في النوم! كم مرة يستيقظ المرء وهو يبكي، لأنه كان يبكي في الحلم! هل سمعتم عن شخص استيقظ من نومه يقهقه من أثر حلم؟ هل ثمة من يستقيظ من نومه فرحا؟ قلما يرى الإنسان حلما مفرحا. أحلامنا ترينا مخاوفنا! وفي أحسن أحوالها تكون محايدة، أو تتركنا في متاهات نحاول الخروج منها كغريق يحاول النجاة، فلا ينقذه إلا اليقظة!
وحياتنا تتشكل في تلك المسارات والمنعرجات بين الفرح والحزن وفيهما.
